محمد بن الطيب الباقلاني

14

إعجاز القرآن

والذي ذكرناه من نظم هاتين السورتين ينبه على غيرهما من السور ، فكر هنا سرد القول فيها . فليتأمل المتأمل ما دللناه عليه يجده كذلك . ثم مما يدل على هذا قوله عز وجل : ( وقالوا : لولا أنزل عليه آيات من ربه ، قل إنما الآيات عند الله ، وإنما أنا نذير مبين . أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ) ( 1 ) فأخبر أن الكتاب آية من / آياته ، وعلم من أعلامه ، وأن ذلك يكفي في الدلالة ، ويقوم مقام معجزات غيره وآيات سواه من الأنبياء ، صلوات الله عليهم . ويدل عليه قوله عز وجل : ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ، الذي له ملك السماوات والأرض ) ( 2 ) . ويدل عليه قوله : ( أم يقولون افترى على الله كذبا ، فإن يشأ الله يختم على قلبك ، ويمحو الله الباطل ويحق الحق بكلماته ) ( 3 ) . فدل على أنه جعل قلبه مستودعا لوحيه ، ومستنزلا لكتابه ، وأنه لو شاء صرف ذلك [ عنه } إلى غيره . وكان له حكم دلالته على تحقيق الحق ، وإبطال الباطل مع صرفه عنه . ولذلك أشباه كثيرة تدل على نحو الدلالة التي وصفناها . فبان بهذا وبنظائره ( 4 ) ما قلناه ، من أن بناء نبوته صلى الله عليه وسلم على دلالة القرآن ومعجزته ، وصار له من الحكم في دلالته على نفسه وصدقه أنه يمكن أن يعلم أنه كلام الله تعالى ، وفارق حكمه حكم غيره من الكتب المنزلة على الأنبياء ، لأنها لا تدل على أنفسها إلا بأمر زائد عليها ، ووصف منضاف ( 5 ) إليها ، لان نظمها ليس معجزا ( 6 ) ، وإن / كان ما تتضمنه ( 7 ) من الاخبار عن الغيوب ( 8 ) معجزا . وليس كذلك القرآن ، لأنه يشاركها في هذه الدلالة ، ويزيد عليها

--> ( 1 ) سورة العنكبوت : 50 و 51 ( 2 ) سورة الفرقان : 1 و 2 ( 3 ) سورة الشورى : 24 ( 4 ) ا : " بها وبنظائرها " ( 5 ) س : " مضاف " ( 6 ) م : " معجز " ( 7 ) س : " يتضمنه " ( 8 ) م : " عن الغائبات والغيوب "